تدخل الأسواق العالمية مرحلة دقيقة، تتداخل فيها عدة عوامل مؤثرة في وقت واحد: استمرار الضغوط التضخمية، ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، تذبذب أداء الدولار، وبقاء الطلب على الذهب والنفط حاضرًا رغم تشدد البيئة النقدية. لذلك لا تبدو الصورة العامة وكأنها تتحرك في اتجاه واحد واضح، بل أقرب إلى سوق يعيد تسعير توقعات الفائدة، والمخاطر الجيوسياسية، وآفاق النمو العالمي في وقت واحد.
البيانات الأخيرة من الولايات المتحدة تؤكد أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد. ارتفاع توقعات التضخم المستخلصة من سندات TIPS إلى 2.5%، مع بقاء مؤشر التضخم الأساسي المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي عند 3.2%، يعيد سيناريو “الفائدة المرتفعة لفترة أطول” إلى الواجهة. ونتيجة لذلك، لم تعد الأسواق تتعامل مع خفض الفائدة باعتباره مسارًا مؤكدًا، بل بدأت تعيد حساب احتمال مزيد من التشدد النقدي، خاصة مع ارتفاع احتمالات رفع الفائدة بنهاية العام إلى 52.5%.
هذا التحول يفسر جزءًا مهمًا من حركة الأصول خلال الفترة الحالية. ارتفاع العوائد الأمريكية، خصوصًا عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.593%، وعائد السندات لأجل عامين إلى 4.059%، يمثل ضغطًا تقليديًا على الذهب والأسهم مرتفعة التقييم، ويفترض نظريًا أن يدعم الدولار. لكن الدولار لم ينجح حتى الآن في بناء موجة صعود قوية وواضحة، ما يشير إلى أن السوق لا يزال يوازن بين مخاوف التضخم من جهة، ومخاوف النمو والمخاطر السياسية من جهة أخرى.
في الصين، جاءت بيانات الإنتاج الصناعي أفضل نسبيًا، مع نمو القيمة المضافة الصناعية بنسبة 5.6% على أساس سنوي خلال أول أربعة أشهر من العام. كما ارتفعت أسعار المنازل الجديدة في مدن الدرجة الأولى بنسبة شهرية محدودة بلغت 0.1%. هذه الأرقام لا تعني أن الاقتصاد الصيني دخل مرحلة تعافٍ قوي، لكنها تقلل مؤقتًا من حدة المخاوف المرتبطة بالطلب الصيني، وهو عامل مهم بالنسبة للنفط والمعادن والسلع الصناعية.
أما في بريطانيا، فقد رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد من 0.8% إلى 1%، وهو ما يمنح الجنيه الإسترليني دعمًا نسبيًا. لكن هذا التحسن وحده لا يكفي لتغيير الصورة العامة، طالما بقي الدولار والعوائد الأمريكية هما العامل الأكثر تأثيرًا في حركة أزواج العملات الرئيسية.
على الجانب الجيوسياسي، ساهم تمديد الإعفاء من العقوبات على النفط الروسي المنقول بحرًا لمدة 30 يومًا، إلى جانب إلغاء الضربة العسكرية المخطط لها ضد إيران بسبب استمرار المفاوضات، في تخفيف القلق داخل سوق الطاقة. النفط صعد في البداية بدعم من مخاوف الإمدادات ومضيق هرمز، ثم فقد جزءًا من زخمه بعد تراجع خطر التصعيد العسكري المباشر. لذلك تبقى أسعار النفط حاليًا شديدة الحساسية لأي خبر سياسي جديد.
قراءة الأسواق العالمية

أداء أسواق الأسهم العالمية جاء مختلطًا ويميل إلى الحذر. في الولايات المتحدة، سجل مؤشر داو جونز ارتفاعًا طفيفًا، بينما تراجع كل من S&P 500 وناسداك، وهو ما يعكس ضغطًا أكبر على أسهم التكنولوجيا والنمو. هذا التحرك يبدو منطقيًا في ظل ارتفاع العوائد، لأن زيادة تكلفة الخصم تضغط عادة على تقييمات الشركات مرتفعة النمو.
القطاع الأبرز كان قطاع الطاقة، مستفيدًا من قوة أسعار النفط واستمرار المخاوف الجيوسياسية. في المقابل، تراجع قطاعا التكنولوجيا والصناعة، ما يعكس أن المستثمرين لم يعودوا في حالة شهية مخاطرة كاملة، بل أصبحوا أكثر انتقائية ويميلون إلى القطاعات المرتبطة بالتضخم والطاقة بدلًا من القطاعات المعتمدة على النمو المستقبلي.
في آسيا، بدت الصورة أضعف، خصوصًا في هونج كونج، مع تراجع مؤشر Hang Seng ومؤشر التكنولوجيا. وهذا يوضح أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع الصين وقطاع التكنولوجيا الآسيوي، رغم بعض الإشارات الإيجابية في البيانات الاقتصادية الصينية.
أما في أوروبا، فكان الأداء أفضل نسبيًا، مع صعود مؤشر DAX الألماني وFTSE البريطاني. وجاء دعم نتائج الشركات واضحًا، خاصة مع استمرار موسم الأرباح في تقديم مفاجآت إيجابية؛ إذ تجاوزت أرباح 84% من الشركات التوقعات، بمتوسط يفوق 18%، ما رفع تقديرات نمو الأرباح الإجمالية إلى 26%. لكن هذا العامل يحتاج إلى قراءة حذرة، لأن استمرار ارتفاع العوائد قد يحد من قدرة الأسهم على مواصلة الصعود حتى مع قوة نتائج الشركات.
الدولار الأمريكي DXY
يتحرك مؤشر الدولار داخل نطاق عرضي واسع بين مقاومة واضحة قرب 100.33 – 100.62، ودعم مهم حول 97.62. السعر الحالي قرب 99.21 يعكس حالة توازن بين عوامل داعمة للدولار، مثل ارتفاع العوائد وتوقعات الفائدة، وعوامل ضاغطة عليه، مثل ضعف الزخم الفني وعدم قدرة المؤشر على تجاوز المقاومة الرئيسية حتى الآن.
من الناحية الفنية، لا يزال المؤشر محصورًا أسفل منطقة مقاومة مهمة. اختراق واضح أعلى 100.62 قد يفتح الطريق أمام موجة صعود جديدة، خاصة إذا جاءت البيانات الأمريكية داعمة أو ارتفعت توقعات التشدد النقدي. أما الفشل في تجاوز هذه المنطقة فقد يعيد المؤشر إلى 98.50 ثم 97.62.
الصورة الحالية للدولار ليست صاعدة بالكامل ولا هابطة بالكامل. الأدق أنه في مرحلة اختبار قوة. السوق يحتاج إلى محفز واضح؛ إما بيانات تضخم أو وظائف قوية تدفعه للاختراق، أو تراجع في العوائد يعيد الضغط عليه.
الذهب XAU/USD
يتداول الذهب قرب 4706 دولار للأونصة، بعد موجة صعود قوية خلال الشهور الماضية، قبل أن يدخل مؤخرًا في مرحلة تصحيح وتجميع أعلى منطقة الدعم 4510. هذا الدعم يمثل منطقة دفاع مهمة للمشترين، بينما تبقى مستويات 5000 و5381 كمقاومات رئيسية على المدى المتوسط.
فنيًا، لا تزال الصورة العامة للذهب إيجابية طالما بقي السعر أعلى 4510. السيناريو الصاعد نحو 5000 يظل قائمًا، لكنه يحتاج إلى تأكيد من خلال عودة الزخم الشرائي واختراق مناطق التذبذب الحالية.
اقتصاديًا، يتحرك الذهب داخل معادلة متناقضة. من جهة، ارتفاع العوائد الأمريكية يقلل من جاذبيته لأنه أصل لا يدر عائدًا. ومن جهة أخرى، توفر التوترات الجيوسياسية، ومخاوف التضخم، وتذبذب الدولار، دعمًا مستمرًا للمعدن. لذلك لا يمكن قراءة حركة الذهب الحالية باعتبارها حركة فنية فقط، بل هي نتيجة صراع واضح بين تكلفة الفرصة البديلة والطلب على التحوط.
السيناريو الأقرب حاليًا هو أن بقاء السعر أعلى 4510 يدعم محاولة العودة نحو 5000. أما كسر 4510 بوضوح فقد يغير الصورة قصيرة الأجل ويفتح الباب أمام تصحيح أعمق، خاصة إذا واصلت العوائد الأمريكية الصعود.
النفط
استفادت أسعار النفط من تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات، خصوصًا مع عودة الحديث عن مضيق هرمز، قبل أن تتراجع نسبيًا بعد تهدئة الملف الإيراني. ارتفاع خام WTI إلى 106.87 دولار، وبرنت إلى 109.35 دولار، يعكس أن السوق ما زال يضع علاوة مخاطر جيوسياسية واضحة داخل الأسعار.
لكن الصعود الحالي لا يعتمد على المخاطر السياسية فقط. هناك أيضًا عامل الطلب الصيني، وتحسن بعض البيانات الصناعية، واستمرار حساسية السوق تجاه أي اضطراب في الإمدادات. في المقابل، أي تراجع في التصعيد أو تمديد للإعفاءات والعقوبات قد يخفف الزخم الصعودي مؤقتًا.
النفط حاليًا سوق أخبار بامتياز. الاتجاه العام ما زال مدعومًا، لكن التقلبات مرشحة للبقاء مرتفعة. أي خبر من إيران، روسيا، أو الصين قد يغير حركة الأسعار بسرعة.
اليورو دولار EUR/USD
يتداول اليورو دولار قرب 1.1624 بعد تراجع واضح من منطقة 1.18 تقريبًا. فنيًا، يتحرك الزوج داخل نموذج توافقي هابط ظاهر على الرسم، مع وجود دعم مهم عند 1.1408، ومقاومات رئيسية عند 1.1865 ثم 1.2081.
الصورة الفنية تميل إلى الحذر السلبي طالما بقي السعر أسفل 1.1865. التراجع الحالي يعكس فشل المشترين في الحفاظ على الزخم بعد الاقتراب من المقاومة، بينما يبقى مستوى 1.1408 هو خط الدفاع الأهم للمشترين.
اقتصاديًا، يتأثر اليورو بشكل مباشر بفارق العوائد بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو. إذا استمرت العوائد الأمريكية في الصعود، فقد يبقى اليورو تحت ضغط، خاصة إذا ظل الدولار مدعومًا بالعوائد حتى دون اختراق فني قوي.
السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط باتجاه 1.1408 ما لم ينجح الزوج في استعادة 1.1865. اختراق هذه المقاومة فقط قد يضعف السيناريو السلبي ويفتح المجال أمام العودة نحو 1.2081.
الجنيه الإسترليني GBP/USD
يتداول الجنيه الإسترليني قرب 1.3410 بعد تراجع من منطقة مقاومة واضحة حول 1.3654. الرسم يظهر فشل السعر في الثبات أعلى منطقة العرض، قبل أن يبدأ التراجع باتجاه الدعم القريب عند 1.3173، مع وجود دعم أعمق حول 1.3007.
ورغم رفع توقعات نمو الاقتصاد البريطاني من 0.8% إلى 1%، لم يحصل الجنيه على دعم كافٍ لتغيير الصورة الفنية. السبب أن تحسن توقعات النمو البريطاني إيجابي نسبيًا، لكنه لا يتفوق على أثر العوائد الأمريكية وتوقعات الاحتياطي الفيدرالي.
فنيًا، أصبحت منطقة 1.3654 مقاومة محورية. العودة فوقها قد تعيد الزخم الصاعد باتجاه 1.3857. أما استمرار التداول أسفلها فيبقي الضغط قائمًا نحو 1.3173، وربما 1.3007 إذا زاد زخم الدولار.
الصورة الحالية للجنيه ليست انهيارًا، بل تصحيح من منطقة مقاومة قوية. يحتاج الزوج إلى محفز واضح حتى يستعيد الاتجاه الصاعد.
الدولار ين USD/JPY
يتحرك الدولار ين قرب 159.09، بالقرب من منطقة مقاومة شديدة الأهمية بين 160.00 و160.46. السعر ارتد بقوة من منطقة 155.04، ويحاول الآن العودة لاختبار القمة السابقة.
هذا الزوج شديد الحساسية لفارق العوائد بين الولايات المتحدة واليابان. ومع استمرار صعود العوائد الأمريكية، يبقى الدولار ين مدعومًا من زاوية الفارق في السياسة النقدية. لكن الاقتراب من مستويات 160 يجعل السوق أكثر عرضة لأي تدخل لفظي أو فعلي من السلطات اليابانية.
فنيًا، اختراق 160.46 سيكون إشارة قوية على احتمال استمرار الاتجاه الصاعد، لكنه في الوقت نفسه قد يكون اختراقًا محفوفًا بالمخاطر بسبب احتمالات التدخل. أما الفشل في تجاوز هذه المنطقة فقد يعيد السعر إلى 155.04، ثم 152.17 إذا زادت الضغوط البيعية.
السيناريو الحالي يشير إلى أن الاتجاه العام لا يزال صاعدًا، لكن منطقة 160 ليست منطقة مريحة للملاحقة الشرائية العشوائية. الأفضل انتظار اختراق مؤكد أو رفض واضح من المقاومة.
الخلاصة العامة
تتحرك الأسواق تحت تأثير ثلاث قوى رئيسية: تضخم أمريكي لا يزال مرتفعًا، عوائد سندات صاعدة، ومخاطر جيوسياسية مستمرة. هذه العوامل تخلق بيئة معقدة لا تسمح بقراءة سطحية أو أحادية الاتجاه.
الدولار يحاول الاستفادة من ارتفاع العوائد، لكنه لم يؤكد بعد اختراقًا فنيًا قويًا. الذهب ما زال مدعومًا بالتحوط رغم ضغط العوائد. النفط يبقى رهينًا للأخبار الجيوسياسية. الأسهم تتحرك بانتقائية، مع تفوق قطاع الطاقة وضغط واضح على التكنولوجيا. أما العملات الرئيسية، فتبدو في مرحلة تصحيح أمام الدولار، لكن دون انهيار كامل حتى الآن.
أفضل توصيف للسوق الحالي أنه ليس سوق اتجاه واضح في كل الأصول، بل سوق إعادة تسعير. التعامل معه كأنه اتجاه مباشر قد يوقع المتداول في الكثير من الفخاخ. لذلك تبقى مراقبة العوائد الأمريكية، ومؤشر الدولار، ومستويات الدعم والمقاومة الرئيسية في الذهب والعملات، هي العامل الأهم خلال المرحلة القادمة، لأن أي كسر أو اختراق حقيقي قد يحدد اتجاه الحركة التالية.
للمزيد من المقالات ذات الصلة، يرجى متابعة موقعكم Tradethezone.com
