الديون السيادية العالمية تقترب من 100% من الناتج.. كيف يتأثر الاقتصاد؟

تنتقل ضغوط الديون السيادية العالمية إلى أسواق السندات مع ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومات الكبرى. ويهدد استمرارها بتقليص الاستثمار وإبطاء النمو وزيادة الضغوط على الموازنات والعملات.

0
14
الديون السيادية العالمية تقترب من 100% من الناتج.. كيف يتأثر الاقتصاد؟

انتقلت ضغوط الديون السيادية العالمية من صفحات التقارير الاقتصادية إلى قلب أسواق السندات، بعدما ارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات أو عقود.

ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الدين العام العالمي من أقل قليلًا من 94% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 100% بحلول 2029، أي قبل الموعد الذي كان يتوقعه الصندوق سابقًا بعام كامل.

ولا يعني ذلك أن أزمة ديون عالمية شاملة قد اندلعت بالفعل، لكنه يكشف عن تحول خطير: الحكومات مطالبة بإعادة تمويل ديون ضخمة في بيئة أصبحت فيها الفائدة أعلى، والمستثمرون أقل استعدادًا لإقراضها طويلًا من دون عائد إضافي مقابل المخاطر.

أسواق السندات ترسل إشارات تحذير

بلغ عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا خلال الأسبوع الماضي نحو 5.327%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، قبل أن يتراجع جزئيًا مع تدخل وزارة الخزانة لتهدئة السوق.

وفي اليابان، وصل عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 2.945%، مقتربًا من 3% للمرة الأولى منذ منتصف التسعينيات، بينما يتجاوز الدين العام الياباني 200% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات 4.13%، مسجلًا أعلى مستوياته منذ 2008، في وقت تتوقع فيه المفوضية الأوروبية وصول عجز الموازنة الفرنسية إلى 5.1% خلال 2026، مقارنة بالسقف الأوروبي البالغ 3%.

وفي ألمانيا، ارتفع عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى 3.79%، وهو الأعلى منذ 2011، وسط توقعات بارتفاع إصدارات الحكومة الألمانية من السندات إلى مستوى قياسي يبلغ 400 مليار يورو في 2027.

وتكشف هذه التحركات عن موجة دولية لا ترتبط بدولة واحدة. فقد أشارت رويترز إلى وصول تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

لماذا تتراكم الديون السيادية العالمية؟

توسعت الحكومات في الاقتراض خلال الأزمات المتعاقبة لتمويل برامج الدعم الصحي والاقتصادي، ثم واجهت احتياجات إضافية مرتبطة بالطاقة والدفاع والبنية التحتية وشيخوخة السكان.

وفي الوقت نفسه، أنهت البنوك المركزية مرحلة الفائدة شديدة الانخفاض وبدأت تقليص محافظ السندات التي اشترتها خلال سنوات التيسير الكمي.

وهذا يعني أن الحكومات لا تصدر كميات أكبر من الديون فحسب، بل تبحث أيضًا عن مشترين جدد في وقت يطالب فيه المستثمرون بعائد أعلى.

ووفق صندوق النقد، ظل العجز المالي العالمي قرب 5% من الناتج خلال 2025، بينما ارتفع الإنفاق على فوائد الديون من نحو 2% إلى قرابة 3% من الناتج العالمي خلال أربع سنوات فقط.

وكلما ارتفعت فوائد الديون، احتاجت الحكومات إلى اقتراض جديد لتغطية العجز والفوائد، ما يهدد بتكوين دائرة يصعب كسرها من دون زيادة الإيرادات أو خفض الإنفاق أو استعادة معدلات نمو قوية.

الولايات المتحدة ودين يتجاوز 40 تريليون دولار

بلغ إجمالي الدين العام الأمريكي 40.03 تريليون دولار، وفق أحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية المنشورة حتى 20 أغسطس.

ومع صعود العوائد طويلة الأجل، أعلنت الخزانة مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عامًا من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار للعملية، على أن يبدأ تنفيذ الأحجام الجديدة في سبتمبر.

تهدف عمليات إعادة الشراء إلى تحسين السيولة وتخفيف الاختلالات في سوق السندات، لكنها لا تخفض الدين العام أو تعالج العجز المالي الذي أدى إلى تراكمه.

كما أن حجم العملية يظل محدودًا بالمقارنة مع سوق سندات حكومية تتجاوز قيمته 32 تريليون دولار.

وتكمن أهمية القرار في الإشارة التي أرسلها إلى المستثمرين؛ إذ أظهر أن ارتفاع العوائد أصبح مصدر قلق مباشر للحكومة الأمريكية بسبب تأثيره في فوائد الدين والرهن العقاري وتمويل الشركات.

وقد يؤدي تدخل الخزانة لخفض العوائد إلى تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي إذا ظل التضخم مرتفعًا؛ لأن تراجع تكلفة التمويل يعمل جزئيًا كنوع من التيسير المالي بينما يحاول البنك المركزي ضبط الطلب والأسعار.

اليابان تواجه نهاية عصر التمويل الرخيص

تمثل اليابان حالة شديدة الحساسية بسبب حجم دينها العام واعتمادها الطويل على الفائدة المنخفضة ومشتريات بنك اليابان للسندات.

وكانت عوائد قريبة من الصفر تسمح للحكومة بإدارة الدين بتكلفة محدودة نسبيًا، لكن ارتفاع العائد لأجل 10 سنوات إلى قرابة 3% يغير هذه المعادلة تدريجيًا.

وأفادت رويترز بأن صعود العوائد يعكس مزيجًا من التضخم وتوقعات رفع الفائدة ومخاوف الإنفاق الحكومي وإصدارات السندات.

وقد يمتد الأثر إلى خارج اليابان؛ فالمؤسسات اليابانية تعد من كبار المستثمرين في السندات الأمريكية والأوروبية. وإذا أصبحت العوائد المحلية أكثر جاذبية، فقد تعيد جزءًا من أموالها إلى الداخل، ما يقلل الطلب على ديون الحكومات الأخرى ويرفع تكلفة تمويلها.

أوروبا بين الإنفاق المرتفع والانضباط المالي

تواجه أوروبا احتياجات تمويل متزايدة للإنفاق على الدفاع والطاقة والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، بالتزامن مع تقليص البنك المركزي الأوروبي لحيازاته من السندات.

وتتوقع التقديرات وصول إجمالي إصدارات سندات دول منطقة اليورو إلى مستوى قياسي يبلغ 1.54 تريليون يورو في 2027.

وتواجه فرنسا ضغوطًا أكثر وضوحًا بسبب العجز المرتفع وصعوبة الاتفاق السياسي على خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.

وقد أقرت الحكومة الفرنسية بأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يستلزم مفاوضات جادة بشأن الموازنة، بعدما وصلت عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها منذ 2008.

ولا يعني ارتفاع العائد أن التخلف عن السداد أصبح وشيكًا، لكنه يرفع تكلفة كل إصدار جديد ويزيد الجزء المخصص للفوائد داخل الموازنة.

كيف تنتقل أزمة الديون إلى الاقتصاد الحقيقي؟

لا تبقى تحركات السندات محصورة داخل الأسواق المالية؛ لأنها تمثل السعر المرجعي الذي تُبنى عليه معظم تكاليف الاقتراض الأخرى.

ارتفاع تكلفة تمويل الشركات

عندما ترتفع عوائد السندات الحكومية، تضطر الشركات إلى دفع فوائد أكبر لإصدار ديونها.

ويؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى تأجيل المصانع والمشروعات الجديدة، وتقليص الاستثمارات والتوظيف، وقد يدفع الشركات الأضعف إلى إعادة الهيكلة أو الإفلاس.

زيادة فوائد الرهن العقاري والقروض

تتأثر فوائد الرهن العقاري وقروض السيارات والائتمان بتكاليف الاقتراض الحكومية.

وبالتالي تنتقل ضغوط السندات إلى ميزانيات الأسر، فتتراجع القدرة على شراء المنازل والسلع مرتفعة القيمة، ويضعف الاستهلاك الذي يمثل عنصرًا رئيسيًا في النمو الاقتصادي.

تقلص الإنفاق الحكومي

كل زيادة في فوائد الدين تعني تخصيص أموال أكبر لخدمة التزامات سابقة بدلًا من تمويل الصحة والتعليم والبنية التحتية والاستثمار.

وقد تضطر الحكومات إلى الاختيار بين خفض الإنفاق، أو زيادة الضرائب، أو الاستمرار في الاقتراض؛ ولكل خيار تكلفة اقتصادية وسياسية.

ضغوط على البنوك والمؤسسات المالية

يؤدي ارتفاع العوائد إلى انخفاض أسعار السندات القائمة، ما قد يسبب خسائر دفترية للمؤسسات التي تحتفظ بمحافظ كبيرة من الديون الحكومية.

ولا تعني هذه الخسائر تلقائيًا وقوع أزمة مصرفية، لكنها تصبح مصدر خطر إذا اضطرت المؤسسات إلى بيع السندات سريعًا لتوفير السيولة.

الاقتصادات الناشئة أمام ضغط مضاعف

عندما تقدم الولايات المتحدة وأوروبا واليابان عوائد أعلى على سنداتها، تصبح هذه الأسواق منافسًا أقوى على رؤوس الأموال العالمية.

وتضطر الاقتصادات الناشئة عندها إلى رفع الفائدة أو تقديم عائد أكبر لجذب المستثمرين، خاصة الدول ذات الاحتياطيات المحدودة أو العجز الكبير أو التاريخ الائتماني الضعيف.

ويشير البنك الدولي إلى أن ارتفاع الديون في الاقتصادات الناشئة منذ 2010 ارتبط بزيادة فروق العائد السيادية بنحو 110 نقاط أساس، وارتفاع عوائد السندات المحلية بنحو 30 نقطة أساس.

كما يضيف اقتراض الاقتصادات المتقدمة ضغطًا آخر عبر امتصاص جزء أكبر من المدخرات والسيولة الدولية.

وقد تنعكس هذه الضغوط على أسعار العملات والتضخم والقدرة على استيراد الطاقة والغذاء، ثم تنتقل إلى مستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعي.

هل العالم مقبل حتمًا على أزمة ديون؟

ارتفاع الديون وحده لا يكفي للحكم بأن أزمة شاملة أصبحت حتمية.

تعتمد قدرة الدولة على إدارة الدين على معدل النمو، وحجم الإيرادات، ومتوسط الفائدة، وآجال الاستحقاق، ونسبة الديون المقومة بعملات أجنبية، وقوة مؤسساتها، وثقة المستثمرين في سياساتها.

ويصبح الخطر أكبر عندما تستمر الفائدة في تجاوز معدل نمو الاقتصاد، مع بقاء عجز الموازنة مرتفعًا وتراجع الطلب على السندات.

أما الدول التي تقترض بعملتها وتملك بنوكًا مركزية قوية، فلديها مساحة أكبر للتدخل. لكن تمويل الدين عبر خلق النقود قد يؤدي إلى إضعاف العملة وزيادة التضخم بدلًا من حل المشكلة من دون تكلفة.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد العالمي

تعديل مالي منظم

في السيناريو الأقل اضطرابًا، تبدأ الحكومات خفض العجز تدريجيًا وتحسين كفاءة الإنفاق، بالتزامن مع تراجع التضخم واستقرار العوائد.

قد يؤدي ذلك إلى نمو أبطأ لفترة، لكنه يمنع فقدان الثقة أو وقوع أزمات تمويل حادة.

تضخم أعلى وضعف في العملات

قد تحاول بعض الحكومات والبنوك المركزية إبقاء العوائد منخفضة رغم ارتفاع الدين، بما يسمح باستمرار التمويل لكنه يرفع مخاطر التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات.

وفي هذا السيناريو قد يزداد اهتمام المستثمرين بالذهب وبعض الأصول النادرة مثل بيتكوين. لكن هذا تأثير محتمل وليس اتجاهًا مضمونًا، خاصة مع تقلب العملات الرقمية.

أزمات سيادية متفرقة وانتقال العدوى

السيناريو الأكثر خطورة لا يتطلب تخلف جميع الحكومات عن السداد في وقت واحد.

قد تبدأ الأزمة في دولة تعاني عجزًا مرتفعًا أو اضطرابًا سياسيًا أو اعتمادًا كبيرًا على التمويل الخارجي، ثم تنتقل إلى البنوك والدائنين والدول ذات الأوضاع المشابهة.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال، وانخفاض العملات، وتشديد الائتمان، وتراجع حاد في الاستثمار والنمو.

ما الذي يجب مراقبته خلال الفترة المقبلة؟

ستبقى عوائد السندات طويلة الأجل المؤشر الأول على مستوى ثقة المستثمرين في قدرة الحكومات على إدارة ديونها.

كما يجب مراقبة الطلب في مزادات السندات، ونسبة الفوائد إلى الإيرادات الحكومية، ومتوسط آجال الاستحقاق، وحركة المستثمرين الأجانب، واتساع الفارق بين عوائد الدول المختلفة.

وسيراقب المستثمرون أيضًا نتائج عمليات إعادة شراء السندات الأمريكية، والمفاوضات الفرنسية بشأن الموازنة، وقرارات بنك اليابان، وخطط الإصدار القياسية في أوروبا.

أما الإشارة الأخطر فتتمثل في ارتفاع عوائد دولة بالتزامن مع انخفاض عملتها وضعف الطلب على سنداتها؛ لأن هذا المزيج قد يدل على انتقال القلق من التضخم إلى فقدان الثقة في السياسة المالية نفسها.

وحتى الآن، تواجه الأسواق ضغوطًا متزايدة وإعادة تسعير للمخاطر، وليس انهيارًا عالميًا مؤكدًا. لكن استمرار العجز الكبير والفائدة المرتفعة قد يجعل الديون العامل الأكثر تأثيرًا في النمو والسياسة النقدية والأسواق خلال السنوات المقبلة.

تنويه: المحتوى لأغراض إخبارية وتثقيفية، ولا يمثل توصية استثمارية أو دعوة لاتخاذ قرارات مالية.

للمزيد من المقالات ذات الصلة، يرجى متابعة موقعكم Tradethezone.com

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا