الملاذ الآمن في الأزمات: الذهب والدولار والين

لماذا تتكرر نفس الأصول الثلاثة في كل أزمة، ولماذا لا تتحرك بالطريقة نفسها دائمًا؟ عندما تهتز الأسواق، تتجه أنظار المستثمرين تلقائيًا نحو نفس الأصول القليلة...

0
31
الملاذات الآمنة الذهب والدولار والين وقت الأزمات

عندما تضطرب الأسواق، يبحث المستثمرون عن أصول تساعدهم على حماية أموالهم وتقليل المخاطر. لذلك يزداد الاهتمام عادةً بالذهب والدولار والين الياباني.

لكن أسباب اللجوء إلى كل واحد من هذه الأصول تختلف حسب طبيعة الأزمة وظروف السوق.

في هذا المقال نوضح ما هو الملاذ الآمن، ولماذا تتجه إليه الأموال في الأزمات، والفرق بين دور الذهب والدولار والين. كما نوضح الحالات التي قد لا تتحرك فيها الملاذات الآمنة كما هو متوقع.

ما هو الملاذ الآمن؟

الملاذ الآمن هو أصل يحافظ على قيمته أو يرتفع سعره عندما تتراجع أصول أخرى بقوة. وغالبًا ما يحدث ذلك خلال أزمة اقتصادية أو مالية أو جيوسياسية.

ورغم اختلاف الملاذات الآمنة، فإنها تشترك في عدة صفات. أولها السيولة العالية، التي تسمح ببيعها وشرائها بكميات كبيرة دون أن يتحرك السعر بعنف.

كما تحظى هذه الأصول بثقة المستثمرين حول العالم، ولذلك يزداد الإقبال عليها وقت الخوف. وقد تكون أيضًا أقل ارتباطًا بالاقتصاد الذي يمر بالأزمة، أو تستفيد من الأزمة نفسها.

لكن من المهم أن نعرف أن «الملاذ الآمن» ليس صفة ثابتة في جميع الظروف. فهو سلوك تكرر تاريخيًا، لكنه قد يتغير حسب طبيعة الأزمة، كما سنوضح لاحقًا.

لماذا تتجه الأموال إلى الملاذات الآمنة؟

عند حدوث الأزمات، تنخفض شهية السوق للمخاطرة. ويدخل المستثمرون في حالة العزوف عن المخاطرة Risk Off، التي شرحناها بالتفصيل في مقال شهية المخاطرة.

لكن توجه الأموال إلى الملاذات الآمنة ليس السبب الأساسي للحركة، بل هو نتيجة لتغير نظرة المستثمرين إلى المخاطر والعائد المتوقع.

أما شراء الذهب أو الدولار أو الين، فهو الشكل العملي الذي يظهر من خلاله هذا التغير في السوق.

الذهب: الملاذ الآمن التقليدي

لماذا يُعد الذهب ملاذًا آمنًا؟

يمتلك الذهب صفة نادرة بين الأصول المالية، فهو لا يمثل التزامًا على أي جهة. فالأسهم والسندات والعملات ترتبط جميعها بطرف آخر، مثل شركة أو حكومة أو بنك مركزي.

أما الذهب فهو أصل مادي مستقل، ولا يتوقف على قدرة جهة أخرى على الوفاء بالتزاماتها. وهذه الخاصية جعلته أقدم الملاذات الآمنة تاريخيًا، خاصةً في الأزمات التي تثير الشكوك حول النظام المالي نفسه.

علاقة الذهب بالعائد الحقيقي

يتأثر سعر الذهب بشكل واضح بالعائد الحقيقي، وهو العائد الاسمي بعد خصم توقعات التضخم.

عندما ينخفض العائد الحقيقي، تقل تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بأصل يقدم فائدة. لذلك يزداد الطلب عليه عادةً.

لكن هذه العلاقة أصبحت أقل وضوحًا وانتظامًا منذ عام 2022، مع زيادة مشتريات البنوك المركزية من الذهب لتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار.

وقد أضافت هذه المشتريات مصدرًا مستمرًا للطلب على الذهب، لا يعتمد فقط على حركة العوائد.

متى قد يتراجع الذهب أثناء الأزمات؟

الذهب ليس ملاذًا كاملًا في جميع الظروف. فهو لا يقدم عائدًا دوريًا مثل الفائدة أو الأرباح الموزعة.

وقد يتعرض للبيع مؤقتًا عند اشتداد الذعر، حين يبيع المستثمرون أصولًا مختلفة للحصول على السيولة النقدية.

وهذا ما حدث بالفعل خلال أزمة 2008، كما أوضحنا في مقال شهية المخاطرة.

الدولار: ملاذ السيولة العالمية

لماذا يُعد الدولار ملاذًا آمنًا؟

يستمد الدولار مكانته كملاذ آمن من وجوده في قلب النظام المالي العالمي. فهو العملة الأولى عالميًا في الاحتياط والتسوية والتمويل، كما شرحنا بالتفصيل في مقال الدولار الأمريكي.

وعندما تحتاج المؤسسات حول العالم إلى سيولة عاجلة لسداد التزاماتها أو تغطية مراكزها المالية، فإنها تتجه إلى الدولار مباشرة.

وقد يحدث ذلك حتى إذا كانت الأزمة بعيدة تمامًا عن الاقتصاد الأمريكي.

ابتسامة الدولار Dollar Smile

يوضح نموذج ابتسامة الدولار (Dollar Smile) هذا السلوك؛ إذ يميل الدولار إلى القوة في حالتين مختلفتين، تمثلان طرفي منحنى الابتسامة.

الحالة الأولى تكون عند حدوث أزمات عالمية، بسبب زيادة الطلب على الدولار بصفته مصدرًا للسيولة.

أما الحالة الثانية فتكون عندما يتفوق الاقتصاد الأمريكي، فتجذب عوائده رؤوس الأموال. وفي الفترات الهادئة بين الحالتين، قد يضعف الدولار.

متى قد يضعف الدولار أثناء الأزمات؟

الدولار لا يرتفع بصفته ملاذًا آمنًا في كل أزمة.

فإذا بدأت الأزمة من داخل الاقتصاد الأمريكي، أو ارتبطت بمخاوف حول المالية العامة الأمريكية أو استقلال الاحتياطي الفيدرالي، فقد يتراجع الدولار بدلًا من أن يرتفع.

وقد أوضحنا هذه الحالات في جدول السيناريوهات ضمن مقال الدولار الأمريكي.

الين الياباني: ملاذ من نوع مختلف

لماذا يُعد الين الياباني ملاذًا آمنًا؟

يختلف الين عن الذهب والدولار في سبب اعتباره ملاذًا آمنًا. فاليابان دولة دائنة صافية للعالم، أي إن قيمة أصولها الخارجية أكبر من التزاماتها.

كما يمتلك المستثمرون والمؤسسات اليابانية استثمارات ضخمة في الخارج.

وعند حدوث الأزمات، يميل هؤلاء المستثمرون إلى إعادة جزء من أموالهم إلى اليابان بحثًا عن الأمان. ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الين وارتفاع سعره.

تأثير تجارة الفائدة Carry Trade

تُعد تجارة الفائدة Carry Trade من أهم العوامل التي تفسر القفزات المفاجئة في سعر الين.

فقد أبقى بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة قريبة من الصفر لسنوات طويلة، ما جعل الين عملة تمويل رخيصة.

لذلك كان المستثمرون يقترضون بالين، ثم يحولونه إلى عملات أخرى ويستثمرونه في أصول تقدم عائدًا أعلى.

وعند حدوث صدمة أو تغير مفاجئ في فرق الفائدة، يسارع المستثمرون إلى إغلاق هذه الصفقات. ويعني ذلك بيع الأصول الأجنبية وإعادة شراء الين لسداد القروض.

هذا الطلب المفاجئ قد يدفع الين إلى الارتفاع بقوة، مهما كان مصدر الأزمة.

ماذا حدث للين في أغسطس 2024؟

ظهر مثال واضح على ذلك في 5 أغسطس 2024.

في هذا المثال تحركت الأسهم اليابانية والين في اتجاهين مختلفين. فقد انخفض مؤشر نيكاي 225، الذي يقيس أداء 225 شركة يابانية، بينما ارتفع الين أمام الدولار.

بدأت الأحداث بعدما رفع بنك اليابان الفائدة في 31 يوليو 2024 إلى نحو 0.25%. وجعل ذلك الاقتراض بالين أقل جاذبية، خاصةً مع زيادة توقعات خفض الفائدة الأمريكية.

لذلك بدأ المستثمرون إغلاق صفقات تجارة الفائدة. فباعوا الأسهم والأصول التي اشتروها بأموال مقترضة بالين، ثم أعادوا شراء الين لسداد قروضهم.

أدى بيع الأسهم إلى هبوط مؤشر نيكاي 225، بينما أدى شراء الين إلى ارتفاعه أمام الدولار. كما زاد ارتفاع الين الضغوط على أسهم الشركات اليابانية المصدّرة، لأن قوة العملة قد تقلل قيمة أرباحها القادمة من الخارج.

وفي 5 أغسطس 2024، تراجع مؤشر نيكاي 225 بنسبة 12.4% في أكبر هبوط يومي له منذ عام 1987، بينما ارتفع الين بقوة أمام الدولار. وقد ساهم إغلاق صفقات تجارة الفائدة، إلى جانب المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، في زيادة حدة هذه التحركات.

هل ما يزال الين ملاذًا آمنًا؟

يرى بعض المحللين أن مكانة الين كملاذ آمن لم تعد مضمونة كما كانت في الماضي.

فقد جعل التغير التدريجي في سياسة بنك اليابان، إلى جانب المشكلات طويلة الأجل في الاقتصاد الياباني، حركة الين وقت الأزمات أقل انتظامًا.

كما أصبحت حركته أكثر ارتباطًا بتجارة الفائدة نفسها، وليس بالأزمة بشكل عام.

مقارنة بين الذهب والدولار والين

الملاذ المحرك الأساسي أبرز نقطة ضعف
الذهب أصل مادي لا يمثل التزامًا على جهة مُصدرة، ويستفيد غالبًا من انخفاض العائد الحقيقي لا يقدم عائدًا دوريًا، وقد يُباع مؤقتًا أثناء الذعر الشديد للحصول على السيولة
الدولار يقع في مركز النظام المالي العالمي، ويزداد الطلب عليه عند الحاجة العاجلة إلى السيولة قد يضعف إذا بدأت الأزمة من داخل الاقتصاد الأمريكي
الين الياباني يزداد الطلب عليه لسداد القروض وإعادة الأموال اليابانية من الخارج أصبحت حركته أكثر ارتباطًا بأسعار الفائدة والفروق بينها، وليس بالأزمة وحدها

متى لا تتحرك الملاذات الآمنة كما هو متوقع؟

يعتقد البعض أن الملاذات الآمنة ترتفع معًا في كل أزمة، لكن ذلك لا يحدث دائمًا.

فقد يتراجع الذهب مؤقتًا عند اشتداد الذعر، بسبب حاجة المستثمرين إلى السيولة النقدية.

وقد يضعف الدولار إذا كانت الأزمة أمريكية المصدر. كما قد لا يرتفع الين بالقوة المعتادة إذا لم تكن هناك صفقات تجارة فائدة كبيرة يجري إغلاقها.

لذلك يجب أولًا فهم مصدر الأزمة وطبيعتها قبل تحديد الملاذ الآمن الذي قد يستفيد منها.

ولا ينبغي افتراض أن جميع الملاذات الآمنة ستتحرك بالطريقة نفسها في كل مرة.

كيف تراقب تدفقات الملاذ الآمن عمليًا؟

لا تحتاج إلى انتظار وقوع أزمة حتى تتابع تدفقات الأموال نحو الملاذات الآمنة. فهناك مؤشرات تساعد على معرفة اتجاه السوق قبل أن تتضح الصورة بالكامل.

مؤشر الخوف VIX

يقيس مؤشر VIX التقلبات المتوقعة في الأسهم الأمريكية، ويُعرف باسم مؤشر الخوف.

ويمكن أن يشير ارتفاعه إلى زيادة القلق وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.

حركة الذهب مقارنة بالأسهم

يُعد ارتفاع الذهب مع تراجع الأسهم في الوقت نفسه من الإشارات المعروفة على انتقال الأموال إلى الملاذات الآمنة.

لكن هذه العلاقة لا تظهر بالطريقة نفسها في جميع الأزمات، ولذلك يجب متابعتها مع مؤشرات أخرى.

مؤشر الدولار وأزواج العملات

يساعد مؤشر الدولار DXY وحركة أزواج مثل USD/JPY على قياس الطلب على السيولة الدولارية أو إغلاق صفقات الين.

وقد أوضحنا طريقة قراءة هذه التحركات بالتفصيل في مقال: الدولار الأمريكي.

ولا يكفي الاعتماد على مؤشر واحد فقط. فالقراءة تصبح أكثر موثوقية عندما تجتمع عدة إشارات في الاتجاه نفسه.

أسئلة شائعة عن الملاذ الآمن

هل الفرنك السويسري ملاذ آمن أيضًا؟

نعم، يُصنّف الفرنك السويسري تقليديًا ضمن الملاذات الآمنة.

ويرجع ذلك إلى استقرار الاقتصاد السويسري ومكانة سويسرا كدولة دائنة، وهي أسباب قريبة من أسباب اعتبار الين ملاذًا آمنًا.

لكن صغر حجم الاقتصاد السويسري يجعل دور الفرنك عالميًا أقل من دور الذهب والدولار والين.

هل يمكن أن ترتفع الملاذات الآمنة كلها في وقت واحد؟

نعم، ويحدث ذلك كثيرًا في الأزمات الحادة التي تجمع بين الذعر المالي والحاجة إلى السيولة.

لكنه ليس قاعدة ثابتة، فقد يستجيب كل ملاذ بدرجة مختلفة حسب مصدر الأزمة.

ما الفرق بين الملاذ الآمن وشهية المخاطرة؟

شهية المخاطرة توضح الحالة العامة للسوق تجاه المخاطر، بينما الملاذات الآمنة هي الأصول التي تستفيد عادةً عندما تنخفض هذه الشهية.

فالأولى تساعد على فهم اتجاه المستثمرين، والثانية تمثل التطبيق العملي لهذا الاتجاه على أصول محددة.

هل الملاذات الآمنة استثمار جيد دائمًا؟

ليس بالضرورة. فقد ترتفع قيمتها وقت الاضطرابات، لكنها قد تتراجع أو تتحرك بشكل جانبي خلال فترات الاستقرار والنمو.

ويحدث ذلك عندما تتجه الأموال إلى الأصول التي تقدم عوائد أعلى.

الخلاصة

لا يوجد ملاذ آمن واحد يناسب جميع الأزمات.

فالذهب يقلل مخاطر الاعتماد على طرف آخر، بينما يوفر الدولار سيولة عالمية سريعة. أما الين فقد يرتفع مع إغلاق صفقات فائدة ممولة به تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات.

وفهم سبب تحرك كل ملاذ وحدوده يساعدك على قراءة الأزمة بشكل أدق، بدلًا من افتراض أن جميع الملاذات الآمنة ستتحرك بالطريقة نفسها في كل مرة.

تابع المزيد من المقالات التعليمية لفهم الأسواق والتداول بوعي:

www.tradethezone.com

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا